أمين صدقي
*********
د. نجوى عانوس
كانت الكوميديا عند سلامة حجازي قد بدأت في التغلغل على حين كان جورج
أبيض مشغولاً بعرض تراجيدياته ؛ فقدم الشيخ سلامة بعض الكوميديات
الشهيرة والتي كان أهمها
" أبو الحسن المغفل ، الشيخ متلوف ، البخيل " وفيما عدا ذلك كانت
المسرحيات تعتمد على العنصر الغنائي .
على أن كثيراً من هذه المسرحيات كانت تحوي في ثناياها دوراً أو اثنين
تمتزج بهما الدعابة وتختلط فيهما روح الفكاهة بالجدية .
ولما كانت أغلبية هذه المسرحيات تنتهي بفواجع فقد اعتاد الجمهور أن
يطالب
بـ " الفصل المضحك " في النهاية ، وطالما شاهدنا في الإعلانات عن حفلات
التمثيل تلك الجملة المأثورة : " وتختم الرواية بفصل مضحك من أمير
المضحكين محمد ناجي " .
ولم يكن الشيخ سلامة يلجأ إلى هذه الوسيلة في الغالب إلا في المواسم
والأعياد وفي الرحلات التي كان يقوم بها وفرقته في ريف مصر وصعيدها .
ثم عمل المترجمون على قلب المسرحية التراجيدية إلى هزلية مثلما حدث
التراجيدية
" روميو وجولييت " لشكسبير(1) .
وتدريجياً ظل يضعف تيار المسرح الجاد مع قيام الحرب العالمية الأولى إذ
" كان الجو في مصر خانقاً يضيق به الشعب غاية الضيق ، فالحماية مضروبة
على البلاد ، والحريات رهن الأغلال .
كذلك كنا نعيش في تلك الأيام الصعاب ، فكان طبيعياً أن تجنح الميول ،
إلى طلب الترفيه والتسلية والسلوى ؛ تفريجاً للكرب الحانق(2) وأن يسود
تيار المسرح الضاحك(3) في جميع العروض المسرحية ؛ فكثرت المسارح
الكوميدية وأخذت – ومعها النوادي الليلية – تقدم بواسطة الممثلين الذين
لمعت أسماؤهم يومذاك كعزيز عيد ونجيب الريحاني وعلي الكسار ، وأخذت
تقدم الفرانكو آراب والفودفيل والهزلية بنجاح كبير .
وقد بلغ رواج هذا التيار قمته في مطلع العشرينات حيث كسب المسرح
جمهوراً جديداً من الموظفين والطلاب الذين صاروا يشكلون نواة الطبقة
الوسطى في المجتمع المصري خلال تلك السنوات وبهذا أضيف من هؤلاء إلى
الجمهور التقليدي للمسرح التراجيدي المصري المنتمي إلى الطبقات العليا
ذات السلطة والنفوذ في البلاد .
ولما كان المسرح فناً ، لا يمكن أن ينهض ، ولا يكتب له الحياة إلا
بالجمهور الذي يقبل عليه ويتذوقه ، وكانت غالبية هذا الجمهور من الطبقة
الوسطى ؛ فقد بات طبيعياً أن تظل وتترسخ هذه العلاقة التي جمعت بين
المسرح المصري وتيار التسلية والترفيه . وهكذا حددت وظيفة المسرح في أن
يقدم سهرة مسلية .
ولعل مثل هذه الوظيفة تقتضي على المسرح أن يكون وسيلة للتسلية وأن يوفر
لمتذوقيه " حدوتة " جميلة ، وضحكاً لا فكرياً ، وموسيقى وألحاناً . "
وفي هذه الظروف أسس عزيز عيد فرقته عام1915 وخص نفسه بتمثيل أنواع
الكوميدي والفودفيل "(4) .
اتفق (عزيز عيد) مع (أمين صدقي) في يوليه1915 أن يترجم له بعض مسرحيات
الكاتب الفرنسي " جورج فيدو Georges Feydeau " وقدمت الفرقة " جوزيت
مراتي " ،
" خلي بالك من أميلي " و" عندك حاجة تبلغ عنها " ، " يا ست ما تمشيش
كده عريانة " ،
" ضربة مقرعة " و" ليلة الدخلة " إلا أن الجمهور لم يتقبل هذه
المسرحيات لمخالفتها للواقع المصري بالإضافة إلى أنه لم يتقبل عروضاً
بلا موسيقى(5) .
وبانتهاء موسم الصيف توقفت عروض الفرقة ، ثم انضمت إلى فرقة (عبد الله
عكاشة) في صورة شعبة تقدم المسرحيات الهزلية ؛ فاتفق عزيز عيد مع (أمين
صدقي) أن يضع له مسرحية مصرية تمثل حادثة تقع في صميم الريف فكانت "
القرية الحمراء " ، وهي مأساوية .
وقد مثل " عزيز عيد " دور العمدة ، ومثل نجيب الريحاني دور الخفير
ومثلت روزاليوسف دور " عين أبوها " ابنة الخفير ، وما إن رأى الجمهور
عزيز عيد والريحاني حتى ضج بالضحك وانقلبت المأساة إلى هزلية وفشلت
المسرحية(6) .
وعندئذ انضم (أمين صدقي) إلى (الريحاني) ؛ فكتب له استعراض " حمار
وحلاوة " في أوائل يناير1918 ، وحققت نجاحاً هائلاً ، وكانت أغاني
الأوبريت تتردد في كل مكان(7) .
على إثر نجاح الاستعراض وقع النزاع بين أمين صدقي والريحاني حيث طلب
(أمين صدقي) نسبة من الأرباح فرفض الريحاني(8) .
اتفق أمين صدقي مع علي الكسار ، وكونا فرقة أسمياها " جوق أمين صدقي
وعلي الكسار " وأقاما مسرحاً جديداً مجاوراً لمسرح الريحاني "
الإجبسيانا " وأسمياه مسرح
" الماجستيك " ، وافتتح في أول يناير1918 بمسرحية " القضية نمرة14 "(9)
.
ولما كان الكسار قبل ذلك يقدم عروضاً باللغة العربية في كازينو " باريس
" وقد خلق شخصية جديدة تعرف باسم " عثمان البربري " ، أخذ أمين صدقي
هذه الشخصية واجتهد في أن يسمو بها .
قامت عندئذ منافسة بين الكسار وأمين صدقي والريحاني ، سلاحها عناوين
المسرحيات التي تقدمها كل فرقة ؛ ففرقة أمين صدقي والكسار تقدم "
أحلاهم " فيقدم الريحاني بعد أسبوع مسرحية بعنوان " ولو " ، ويرد
الكسار التحية فيخرج " إحنا اللي فيهم " ويرد نجيب " فشر " ، ويرسل
الكسار ضحكة ساخرة " راحت عليك " فيرد الريحاني " حمار وحلاوة " . وهي
منافسة ليست لها سابقة في تاريخ المسرح المصري تتبعها الجمهور وهو
يضحك(10) .
أضف إلى ذلك أن الفرقتين " صدقي والكسار والريحاني " تقتبسان بعض
المسرحيات الأجنبية لتعربها أو لتمصرها ، فبينما كان الريحان منشغلاً
في السر بترجمة مسرحية فرنسية " المغولي الكبير " " Le Grand Mongal "
تحت عنوان " فرجت " وصل الخبر إلى فرقة الماجستيك قبل ظهورها بأسبوعين
؛ فترجم أمين صدقي المسرحية تحت عنوان
" راحت عليك "(11) .
وكان " محمد بهجت " يقوم بالبطولة بدلاً من الكسار في الفترات التي
يستريح فيها الكسار إذ أجاد تقليده .
استمر أمين صدقي يكتب هزليات الكسار إلى عام1925 ، فقد كتب له عدداً
كبيراً من الهزليات والأوبرا كوبيك مثل " كان زمان ، التلغراف ، مرحب ،
جزيرة الحظوظ ، راحت عليك ، الانتخابات ، زباين جهنم ، يويو ، دولة
الحظ ، هوانم اليوم .. الخ " حتى حل الانفصال بينهما ، وصمم الكسار على
عدم الاشتراك مع أمين صدقي لمدة سنة بأكملها ، ويعلل الكسار انفصالهما
؛ فيقول :
" لقد أراد أمين صدقي حل الجوق بأكمله والاستعاضة بآخرين فاعترضت على
فكرته"(12) .
وعاد أمين صدقي يؤلف لفرقة الريحاني حيث عقدا شركة واشتغلا معاً على
مسرح
" دار التمثيل العربي " ، وأسماها " فرقة الريحاني وأمين صدقي " ،
وافتتحت الفرقة عملها بهزلية " قنصل الوز أو برج الحمام " في
17ديسمبر1925(13) ، اقتبسها من مسرحية " الليل والنهار Le jour el la
nuit " لفيدو ، كما اقتبس " مراتي في الجهادية " من هزلية فيدو :
" Les vinght Huit jour de Clarette " ثم كتب هزلية " بنت الشبندر "
التي كان قد قدمها إلى الكسار ورفض تمثيلها عام1924 .
" لم يدم التعاون بينهما طويلاً فقد انفصلا بعد شهرين في فبراير1926
واعتزم الريحاني التمثيل مستقلاً بفرقة أخرى على مسرح برنتانيا "(14) .
اعتزم " أمين صدقي " على أن يؤلف جوقاً خاصاً به ؛ فتعاقد في
31مارس1926 مع أصحاب قهوة " سميراميس " (في أول شارع عماد الدين " على
إحياء ليالي الصيف في حديقتها بعد أن تنصب فيها الخيام اللازمة لحل
أزمة المسارح في مصر "(15) .
بدأ في البحث عن الممثلين ، ويصف لنا أحد نقاد عصره المتاعب التي
واجهها أمين صدقي في الحصول على الممثلين ؛ فيقول :
" أن (أمين صدقي) يبحث عن ممثلين يرفع بهم فرقته فلا يجد ، ولذلك فهو
يبعث برجاله يتصيدون الممثلين والممثلات من على أبواب التياترات ،
فيعرض عليهم الباهظ من الماهيات ، ولكنهم لا ينسون فضل مديري أجواقهم
فيرفضون "(16) . استطاع أمين صدقي المفاوضة مع الممثلة " دينا ليسكا "
وتم الاتفاق على أن تشتغل في فرقته بمرتب قدره ستون جنيهاً في الشهر ،
كما أخذ في مفاوضة الشيخ المطرب " حامد مرسي " ، ورزق بمدير مالي يمتلك
ثروة كبيرة ، ينفق منها ما يشاء في إعداد الفرقة(17) ، وبتأسيس فرقة "
أمين صدقي " قويت المنافسة بينها وبين فرقة علي الكسار ونجيب الريحاني
ومنيرة المهدية ويوسف وهبي ، وقد أدت هذه المنافسة إلى انفصال الكثير
من الممثلين عن فرقة أمين صدقي للانضمام إلى فرقة الريحاني "(18) .
افتتح أمين صدقي مسرحه بهزلية " الكونت زقزوق " في 13سبتمبر1926 ،
ونجحت نجاحاً باهراً ، حيث قام بتلحينها الدكتور صبري وإبراهيم أفندي
فوزي(19) .
ثم قدمت الفرقة في 20سبتمبر1926 " ليلة من العمر " ثم " مملكة العجايب
"(20) ، وكثيراً ما كان صدقي نفسه يشترك في تمثيل بعض الأدوار . وقدم
أمين صدقي الكثير من الروايات على مسرح سميراميس حتى هجره وأخرج بعد
ذلك رواية " خالتي عندكم "
و" هوانم اليوم " ثم فشلت الفرقة وغادرت سميراميس متوغلة في بلاد الريف
؛ فطوراً يؤاتيها النجاح ، وطوراً الفشل ويتفرق أفرادها ، وطالما
وجدناهم في مسارح الضواحي (كالفانتازيو وبيرة الأهرام)(21) .
المصادر الفنية لمسرح أمين صدقي
أولاً : تأثر صدقي بالتراث الشعبي :
حينما جلس (أمين صدقي) ليكتب هزلياته تزود من أنبع الكوميديا الشعبية
كما عرفها في ليالي " ألف ليلة وليلة " ، " الأراجوز " ، " خيال الظل "
، " بابات ابن دانيال " ، و" تمثيليات الشوارع : الحادي ، القرداتي ،
المنشد ، شاعر الربابة ، المحدث ، الحكواتي "
اتخذ (أمين صدقي) من أجواء حكايات " ألف ليلة وليلة – كما تبدو في
الآداب الأوروبية والأفلام السينمائية الأمريكية التي نسجت عديداً من
القصص ونسبتها إلى " ألف ليلة وليلة " مثل علاء الدين ، ولص بغداد(22)
– إطاراً عاماً لبعض مسرحياته لما وجد فيها من مادة أولية جاهزة تعينه
على تحقيق الهدف الذي ينشده من المسرح ، أعني تحقيق التسلية والترفيه
لما تحويه من مغامرات عجيبة وموضوعات غرامية مثيرة ، وأجواء خيالية
حافلة بعنصر التشويق والمفاجئة .
مثال ذلك الكوميديا الغنائية " بنت الشبندر " وهي تقوم على علاقة حب
بين " قوت القلوب " ابنة شبندر تجار بغداد وعلاء الدين رئيس حراس أميرة
بغداد الأميرة شاهيناز ، إلا أن الشبندر يجبر ابنته على الزواج من أمير
مغربي يدعى " زرزوراً " فترفض الفتاة ، وترتبط هذه العلاقة الغرامية
بالمؤامرات التي تحاك من " طالون " ابن عم الأميرة " شاهيناز " لاغتصاب
العرش ، ويكتشف " علاء الدين " هذه المؤامرات ، ويستطيع إنقاذ الأميرة
، وتنتهي المسرحية بزواج المحبين(23) .
عناصر الخيال الشعبي في الحبكة والصراع :
أ- الحلم كحقيقة تنبؤية بالمستقبل :
" إن للأحلام دوراً مهماً في الحكايات الشعبية إذ يقوم الحلم بدور
التنبؤ بالنهاية القدرية للأحداث ، وبخط السير الذي سيسير فيه البطل ،
وتأتي الأحداث لتصبح تفسيراً واقعياً للرموز التي ملأت الحلم .. " .
وقد نجمت هذه الظاهرة في الأدب الشعبي من التصور الشعبي للحلم ، لأن
الحلم وفقاً للتصور الشعبي لا يعكس الحقيقة اليومية ، وإنما هو حقيقة
في حد ذاته ، فما يراه النائم في رؤياه لابد أن يتحقق في الواقع .
ومن هنا شاع في السير الشعبية الأحلام التي تمهد وتتنبأ لظهور البطل في
السيرة أو التي تكشف للبطل عن بعض الحقائق والأسرار الخطيرة قبل وقوعها
"(24) .
وقد تسرب هذا التصور الشعبي للحلم إلى بعض هزليات أمين صدقي ؛ فصارت
الأحلام فيها تلعب الدور نفسه الذي تلعبه في الآثار الشعبية من حيث
التنبؤ والتمهيد للأحداث الخطيرة قبل وقوعها ، مثال ذلك في هزلية " مصر
في المنام أو نهضة مصر " يحلم " جحا " بأن الجنية تنتقل به من عالم
الواقع إلى عالم الخيال ؛ فتنقله من عصره ومن متاعبه حيث الفقر وسلاطة
لسان زوجته ، وظلم الحاكم إلى عصر الفراعنة حيث يصور فرعوناً حاكماً
عادلاً ، ومصر تنعم بالحرية إلا أنها تتعرض للمؤامرات لاغتصاب الحكم من
فرعون ؛ فيدافع " جحا " المصري عن وطنه ، وينقذها من أيدي
المتآمرين(25) .
من الطبيعي أن يتنبأ " جحا " بالثورة والحرية والعدل في عصر الاحتلال
الأجنبي لمصر .
ومثلما نجد بيئات عديدة من الليالي بين الخيال والمعلومات الصحيحة
المشوهة إذ نجد جزيرة واق الواق التي وصفت في الليالي وصفاً ممتازاً ،
كان الخيال فيه العامل الأساسي ينتقل بنا أمين صدقي في هزلية " غرايب
الدنيا " إلى بلاد تسكنها جماعة من المتوحشين ، يأكلون لحوم البشر ،
ويعبدون الشمس ، وعادة ما يأمر زعيمهم بقتل كل غريب عنهم خشية أن يكون
جاسوساً .
وتلعب الصدفة دوراً كبيراً في إنقاذ البطل وخادمه الخير من أيدي هؤلاء
، عندما يستعين الخادم " بلبل " بـ " البطارية " لإنارة هذا المكان
الموحش المظلم يعتقد أهل البلدة أنه ابن الشمس وابن النور ؛ فيقول له
زعيمهم :
" آه يا صاحب العظمة والارتفاع مهما حاولت وأنكرت فإنك أنت ابن الشمس
وإله النور ، إدحنا عرفناك لكونك حامل معاك جزء من أشعة الشمس المقدسة
"(26) .
ب- التخفي :
ليس من شك أن عنصر التخفي قد أفاد أمين صدقي في حشد هزلياته بعوامل
التسلية والتشويق لشد الجمهور والاستحواذ على اهتمامه .
من ذلك : يتخفى " زقزوق " الكوالينجي في هزلية " الكونت زقزوق " في
شخصية
" الكونت شداد " ، وتتخفى عايدة في المسرحية نفسها في شخصية الكونتيسة
" روز " ابنة تاجر الزيت الشامي ، وذلك لعدم إتمام زواج الكونتيسة من "
شداد " محبوب " عايدة " وقد استغلت عايدة في هذه الحيلة التشابه الشكلي
بين " زقزوق " والكونت " شداد " حتى يختلط الأمر على الخادم " كوكو " :
شداد : أنت مش وصلك تلغراف مني النهاردة .
كوكو : أيوه يا جناب الكونت .
شداد : طيب وليه ما بعتليش الاتوموبيل على المحطة .
كوكو : ازاي ما بعتوش ، مانتو جايين فيه من المحطة لحد هنا .
شداد : إيه إحنا جينا في الأتومبيل بتاعي بتقول .
كوكو : أيوه يا سيدي سلامة عقلك(27) .
ويتخفى الخادم " سمسم " في شخصية سيده " زردق فهمي باشا " وبالعكس
فيصبح الباشا سمسماً وسمسم الباشا حتى يتأكد من جمال عروسه في هزلية "
جزيرة الحظوظ "(28) .
الشخصيات الجاهزة والثابتة :
لعل السمة الغالبة على شخصيات عروض مسرح الظل والاراجوز والمسرحية
المرتجلة ، هي أنها غالباً ما تكون شخصيات ثابتة وجاهزة ، تتكرر في
مختلف العروض رغم اختلاف موضوعاتها ومواقفها .
ففي مسرح خيال الظل تشيع شخصيات البربري والمغربي والصعيدي والتركي
والخواجه ، وفي مسرح الأراجوز تتكرر شخصية الأراجوز والزوجة ذات اللسان
السليط والفقي المعمم ، بينما يشيع في العروض المرتجلة استخدام شخصيات
مثل الخادم " كامل " والابضاي والعاشق والفتاة اللعوب بواسطة الحيلة ،
وتظل هذه الشخصيات النمطية الجاهزة ثابتة دائماًً بحيث لا يطرأ عليها
أي تغير ، إذ أن طبيعتها تظل كما هي ، دون أن تنحرف ، وكذلك تبقى
ملامحها الجسمية ولأزماتها الخاصة ثابتة أيضاً في كل الأحوال .
استخدم أمين صدقي الشخصيات النمطية في مسرحه مستمداً إياها من التراث
الشعبي، حتى عاب أحد نقاد العصر ثبوت شخصياته ، فقال : " أنا شخصياً لا
أميل إلى هذه الفرقة .. فكل شيء لا يتبدل ولا يتغير ؛ فالشخصية
البربرية هي هي بثقلها وسماجتها ، والممثلون هم هم بثلاثتهم أو أربعتهم
قد حصرت بينهم الأدوار على الدوام ، والممثلات هن هن الاثنتان ، دائماً
ودائماً في أدوارهما المتشابهة في كل قصة "(29) .
ومن هذه الشخصيات :
1- شخصية عثمان أو زقزوق البربري :
خلق أمين صدقي شخصية جديدة تعرف باسم " عثمان البربري " وفيها تتلخص
أبرز خصائص أهل الجنوب في مصر وداعة ونزعة إلى المسالمة وصبر وأمانة
ورغبة في إعلاء الحق ، هذا وأهل الجنوب كانوا منذ زمن طويل يقومون
بالخدمة في البيوت والمحال العامة.
" وأغلب الظن أن الكسار استعار هذه الشخصية من إحدى بابات خيال الظل
التي مثل فيها قبل انتقاله إلى المسرح التقليدي ، وتلك هي بابة "
المركب " . رسم الكسار شخصيته هذه في إطار ، استمد عناصره من عدة
شخصيات شعبية شائعة ؛ فمن شخصية الأراجوز استمد خفة الظل وطيبة القلب
والمكر واللسان الجريء "(30) .
كرر أمين صدقي هذه الشخصية في معظم هزلياته سواء التي مثلت على مسرح
الكسار أو على مسرحه ؛ فزقزوق في " الشبندر " أو " عثمان " خادم مخلص
يعمل على إنقاذ سيدته " قوت القلوب " من إجبارها على الزواج من " زرزور
" وتزويجها من " علاء الدين ".
وهو في " هوانم اليوم " زوج لامرأة تدعي الرجولة ، تهمل زوجها ، فيضطر
الزوج " زقزوق " إلى مغازلة الغسالة " زهرة "(31) . ونجد " زقزوق
الكوالنجي " ابن البلد في
" الكونت زقزوق " طيب القلب يساعد " عايدة " في الانتقام من شداد إذ لا
يرضى الخيانة ، يعرف لنا نفسه فيقول :
" أنا زقزوق أبو حدوده كوالنجي الحظ وطول عمري كده بحبوح وسيد من يعشق
ويتمعشق "(32) .
ويمتهن زقزوق أو عثمان مهناً مختلفة شعبية في هزليات صدقي .
2- شخصية الحماة :
" أصبحت أم الزوجة " الحماة " مادة خصبة لتندر المتدرين ، فالزوج
المسكين حائر بين إرضاء زوجته وكراهيته لأمها ، لأنها تحاول فرض
سلطانها عليه عن طريق ابنتها فهذه العداوة المستترة التي يكنها الرجل
لأم زوجته تجد متنفساً لها في فكاهة تعتمد على التلاعب اللفظي "(33) .
نجد هذه الشخصية في معظم هزليات أمين صدقي ؛ فنجد " الحما " في هزلية "
قضية زربيحة " تراقب زوج ابنتها " هواش " ، يتضح ذلك من قول " هواش "
مخاطباً صديقه " زعتر " :
" لا والله يا متر ، كله من الولية حماتي يعني اللي زيك أنت مالوش أقله
عذر لأنك ملكش حما ملكش مصيبة زى اللي ربنا مديها لي ، تملي معايا في
سين وجيم ودايماً في رجليه مطرح ما أروح ، آهي طول النهار تلاقيها
لازقلنا هنام الصبح للمسا إذا خرجت لحظة بره ، تفضل نازله تقليب وتفتيش
في مكتبي وأوراقي وجيوبي .."(34) .
وتندب في " الكونت زقزوق " حظ ابنتها في الزواج ، وتكثر من تأنيب الأب
على اختياره هذا الزوج لابنتها :
الوالدة : أهه المسكينة مال بختها من تحت راس أبوها(35) .
3- شخصية العمدة :
اشتهر نجيب الريحاني بشخصية العمدة " كشكش بك " وهو عمدة قادم من الريف
، يبيع محصوله من القطن في العاصمة ، فتمتلئ جيوبه بالمال ، فيرتاد أحد
الكباريهات حيث يلتف حوله فريق من الراقصات الحسان ، حتى يسلبن كل ما
له في لحظات ، فيعود إلى قريته. استمد الريحاني هذه الشخصية من تمثيلية
شعبية للفنان " عبد القادر سليمان " تحت عنوان " الشيخ عاشور في مقهى
شيبان بالإسكندرية عام1911 وخادمه "(36) .
نقل أمين صدقي هذه الشخصية عن الريحاني ؛ فالعمدة في هزلية " ديل
الردنجوت " يسمى الحبشي خادمه الليثي يذهب للزواج من فتاة قاهرية تنجح
في سلب ماله(37) .
ونجد العمدة " عرام بيه الدغف " في " قضية زربيحة " ينفق ماله حيث تلتف
الراقصات حوله فيضطر أهله إلى الحجر عليه ، ويتصف بالغفلة والبلاهة
ولذلك لقب
بـ " الدغف "(38) .
4- شخصية الفقي المعجم :
هناك شخصيات شعبية شاع استخدامها في كثير من آثار الأدب الشعبي ، حتى
حظيت بشهرة واسعة وصارت جزءاً ثابتاً من مخزون شخصيات هذا الأدب فمن
هذه الشخصيات شخصية تشيع وتتكرر في عروض الأراجوز تلك هي شخصية الفقي
المعمم الذي يثقل على الأراجوز بطلباته وبلسانه الفصيح فيتحمله
الأراجوز لبعض الوقت ثم يثور عليه ويضربه كما نجد هذه الشخصية في بابي
عجيب وغريب وطيف الخيال لابن دانيال ففي عجيب وغريب نجد الواعظ عجيب
الدين بينما يمثل الشيخ عفلق شخصية الفقي في بابه طيف الخيال ، استمد
أمين صدقي هذه الشخصية من الأدب الشعبي في كثير من هزلياته فنجد
الأستاذ أو الشيخ في مصر في المنام أو نهضة مصر ينطق بالفصحى المقعرة
والمسجوعة متشدداً في كل أمر من أمور الدين بل في أمور الحياة أيضاً
فعندما علم بأن أبا الهول سيتكلم ورأى المصريين تجمعوا حوله انتظاراً
لسماع حديثه إليهم .
يصف الأستاذ هذا الحدث " حديث أبي الهول " بأنه عار وضد الدين ، يقول :
الأستاذ : ماذا أرى يا هذا ، ماذا استمع ، ولم الناس هنا اليوم تجتمع
أريد أن أعرف ، أريد أطلع .
جحا : إلهي عينك تنقلع ، ودروسك تنخلع ، يا أستاذ يا دلع .
الأستاذ : أبداً ثم أبداً هذا حتماً ضرب من ضروب الهزار بل ضرب من ضروب
العار .
جحا : إلهي تنضرب على قلبك .
الأستاذ : أي نعم عار ، وأي عار لا يقبله في هذه الديار إلا حاملي
البردعه والشحار(40) .
5- شخصية جحا :
لم يضف أمين صدقي جديداً إلى الملامح التقليدية لشخصية جحا كما تصورها
نوادره وحكاياته ، ولا سيما فيما يتعلق بالميل إلى الهزل ، واللجوء إلى
المكر والحيلة في المواقف الحرجة ؛ فهو في " مصر في المنام " مسرح ،
خفيف الظل ، يلجأ إلى الحيلة للتخلص من المأزق ، وسرعان ما يتخفى في
شخصية " فرعون " ملك مصر لإنقاذها من المتآمرين .
6- الشاويش :
يسخر أمين صدقي في " قضية زربيحة " من الشاويش " عوكل " الذي يحرص على
تطبيق القانون بشكل حرفي يدعو إلى الضحك ؛ فهو ما يفتأ يشير في كل لحظة
إلى عدد الأشرطة فوق صدارة الرسمي ، فخوراً بها ، يتضح ذلك في حوار
الشاويش مع " أولجا " :
أولجا : إيه بس فيه إيه يا شاويش
الشاويش : شاويش عما بتقولي بقى كل الشرايط دي موش ماليه عينك(41) .
7- الداية :
برع أمين صدقي في رسم شخصية الداية ؛ فهي من أنجح شخصياته ، وأكثرها
قدرة على الإقناع ؛ فيصورها حريصة على المال ؛ فهي في " بشاير السعد "
تبدل الأطفال من أجل الحصول على المال .
استطاع رسم هذه الشخصية رسماً ينبع من قوة ملاحظته ومعايشته للواقع
الاجتماعي للشعب المصري ، يتضح ذلك في قولها استعداداً للتوليد :
الداية : يا لله يا جماعة هاتولي قوام فوطة وميه سخنة وملايات فرش
وشراميط ياللا(42) .
8- الخواجة يني :
هو الخواجة " يني يا كالا نكولو " اليوناني ، صاحب ثروة ، يعمل غالباً
مقاول أو تاجراً ، فهو في هزلية " بخاطرك بقى " مقاولاً يعمل مع المعلم
" زلط " ، وفي " غرايب الدنيا" يعمل تاجراً أضاع ثروته في لعب القمار ؛
فامتهن مهناً كثيرة من أجل جمع المال(43) .
9- شخصيات الخدم :
استمد أمين صدقي شخصية " أم أحمد " الخادمة زوجة " زقزوق أو عثمان " من
شخصية زوجة الأراجوز ، فهي سليطة اللسان ، شديدة الغيرة على زوجها ،
طيبة القلب ، كل همها الحصول على المال ، دائمة الشكوى ؛ فهي في "
بشاير السعد " زوجة " زقزوق " أو
" عثمان البربري " تشكو الجوع والفقر وتؤنب زوجها لإخلاصه لسيدته .
وهي في هزلية " فلفل " تتخفى في شخصية " ما شاء الله " لتتأكد من خيانة
زوجها ، وهي في " مصر في المنام " سليطة اللسان حتى يضطر زوجها " زقزوق
" – الذي يقوم بدور الأراجوز – إلى الهروب منها ، حيث يحلم بانتقاله
إلى مصر الفرعونية .
سم سم : يلعب الخادم " سمسم " دوراً كبيراً في مساعدة سيده ، فهو في "
جزيرة الحظوظ " يتخفى في شخصية سيده الباشا حتى يتأكد من جمال عروسه
ابنة حاكم الجزيرة .
10- شخصية التركي :
اعتاد المصريون السخرية من الأتراك ، ومن اللكنة التركية وكثرة
استعمارهم للألفاظ التركية ؛ وصعوبة نطقهم لبعض الحروف العربية
وتحريفهم بعض الكلمات ، وخروجهم عن قواعد اللغة . من ذلك في هزلية "
بشاير السعد " :
تركي : جانم لازم قاتل مقتول ناشف مبلول جيب البنت بتاعي ، سلم عيال
ميال ولاد ميلاد فين الدايه اللي مسك البنت بتاع أنا ، ديوس كسرت كلب
لصوص نصوص فصول علشان امسك الراجل الديوس ، جيبوا البنت بتاعي امسك
الولد بتاعك "(44) .
تأثر أمين صدقي بنوادر " ابن مماتي "
في كتابه " الفاشوش في حكم قراقوش " :
" كتاب (الفاشوش في حكم قراقوش) أقدم الكتب الفكاهية ، بالمعنى الدقيق
للفكاهة في تاريخ مصر الإسلامية ألفه الأسعد بن مماتي صاحب ديوان الجيش
والمال لعهد صلاح الدين. كان آباؤه من نصارى أسيوط ثم نزحوا إلى
القاهرة في عهد الفاطميين فقربوهم إليهم كثيراً .
اشتهر الأسعد بن مماتي في عصره بسرعة البديهة واللذع في النادرة ، وقد
تعلق بشخصية عاصرته ؛ هي شخصية قراقوش التركي ، أحد قواد صلاح الدين ،
واسمه بهاء الدين قراقوش وكان صلاح الدين يوليه مقاليد مصر حين يغيب
عنها في حروبه ، وصوره في كتابه " الفاشوش .. حاكماً ، ظالماً ، غبياً
، شديد القسوة ، ضعيف العقل "(45) .
تأثر صدقي بنوادر " ابن مماتي " في تصويره لظلم الحاكم أو " الباشكاتب
" في هزلية " مرحب " ويأتي بنوادر تشبه نوادر ابن مماتي إلى حد كبير ؛
فعندما أصبح زقزوق
" باشكاتباً " أمر بحبس جميع الأهالي بتهمة سرقة " البالطو والتمثال "
وعندما أمر بسجن
" سليمان أبو ستوته " الفلاح وجده قد مات ؛ فأصدر أمراً بعدم الموت حتى
ينتهي من التحقيق في قضية التمثال ! يقول :
زقزوق : إيه الحكاية يا واد أنت .
الفلاح : بقى أول كل شيء يا فندم الحق مش علي أنا الحق على الولد "
سليمان أبو ستوته ".
زقزوق : يا حضرة السكرتير أكتب منشور حالاً بالاً وهاتوا الراجل سليمان
أبو ستوته .
الفلاح : يجيبوه فين يا أفندم دا تعيش راسك مات .
زقزوق : مات أخص على كده .. يا حضرة السكرتير .
السكرتير: أفندم .
زقزوق : اكتب منشور حالاً للأهالي وقول فيه ممنوع حد يموت قبل ما نخلص
من التحقيق في قضية التمثال ، واللي يخالف أوامري ويموت يكون جزاؤه
الشنق رمياً بالرصاص(46) .
مؤثرات شعبية في الحوار :
ما أكثر ما يجمد الحوار ؛ فيتخلى عن النهوض بوظائفه الأساسية ، وذلك
حين يغدو هدفاً إلى إدخال السرور إلى نفوس المتفرجين ، ساعياً إلى حصر
اهتمامه في الإضحاك ، حتى يأتي حافلاً بألوان من الفكاهة التي لا تنبع
من الموقف ولا تسعى إطلاقاً إلى إلقاء الضوء على الشخصية ، وتحديد
أبعادها ، وإنما تأتي هذه الفكاهة لذاتها ؛ فيغدو هدفها الوحيد إضحاك
المتفرج بمختلف الوسائل . إن أبرز ما تتسم به الفكاهة الشعبية في مصر ،
هو اعتمادها على الألفاظ والتلاعب بها ، والتورية ، أكثر من اعتمادها
على العنصر الذهني والعقلي ؛ فنجد الفكاهة اللفظية في خيال الظل
والأراجوز وتعتمد البابات أساساً على عنصر التورية والجناس والتلاعب
اللفظي .
كما تخصص البعض في إلقاء النكات والفكاهة اللفظية منذ الحرب العالمية
الأولى
" وقد صارت هذه النكات في فترات استراحة المطربين في ليالي الأفراح
عادة جارية في أغلبها تألفها الجماهير .. ويألفها أصحاب الدعوة ، حتى
أن الناس يتساءلون عن أمثال الأوسطي " أحمد المزين " أو الشيخ " مرجان
" أو " دوللي اليهودي " وهم مشاهير هذه الطائفة .. وتقوم بينهم مباراة
في النكت .. "(47) . وقد حشا أمين صدقي حوار هزلياته بكثير من الفكاهة
اللفظية ، مجاراة للذوق الشعبي العام الذي يميل إلى هذا اللون في
الفكاهة ، فأودع في حواره كل الخصائص التي من شأنها أن تضحك بطريق
اللفظ والعبارة ، منها :
أ- التورية :
من أهم بواعث الضحك وأكثر أنواع الفكاهة شيوعاً ، وأساسها – كما في
الأدب العربي – الاتحاد في الحروف والاختلاف في المعنى ، وقد يكون
الاتحاد كاملاً وقد يكون في أكثر الحروف "(48) .
من ذلك في " بشاير السعد " :
خياطة : لا بس هو كان جالي من شهر ووصاني على البنوار ده لوحده ست كانت
معاه ومن نهارها ما شفتوش .
أم أحمد : يا وعدي يا وعدي بقى ده بنوار ده .
خياطة : أيوه باتنين جنيه .
أم أحمد : طيب ما عندكيش لوج ولا حاجة كده على قدي ولو أعلا
التياترو(49) .
ب- القفشة :
مثال ذلك في هزلية " فلفل " :
الست : (داخلة) يا بيه هو البنكير بتاعك أسود ؟
خيبت : أسود دا نهاره أسود(50) .
وفي " هوانم اليوم " :
إحسان : حضرته بيجي لرفت هانم علشان بتعمل له صورته بالزيت .
عثمان : بالزيت ولا بالسمن(51) .
الفكاهة الغليظة الخشنة :
تتسم الفكاهة الشائعة في عروض خيال الظل والأراجوز ، كذلك ، بكونها
فكاهة خشنة غليظة ، تستند أساساً إلى عناصر البذاءة والهجو والتلميح
إلى العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة .
وقد تأثر حوار أمين صدقي بهذا اللون الخشن من الفكاهة ؛ إذ حشا حواره
بالسباب والملاماة (الردح الشعبي) لاستدرار ضحك الجمهور ، مثال ذلك في
" الكونت زقزوق " :
شداد : إيه يا عايدة الراجل البقف ده .
عايدة : أي بقف .
شداد : دا باين عليه لطخ جعيدي خالص(52) .
اللهجات الخاصة وسيلة للإضحاك :
شاع الاعتماد اللهجات الخاصة ، وسيلة من وسائل الإضحاك ، في خيال الظل
والأراجوز والمسرحية المرتجلة ، ثم في المسرحية التقليدية ، منذ أن كتب
ابن دانيال بابة
" عجيب وغريب " .
لقد استخدم ابن دانيال في بابة " عجيب وغريب " اللهجات الخاصة من
الشخصيات الغريبة التي تعرضها البابة ؛ فاختار لكل شخصية ما يناسبها من
الحوار ، وانتقى لها خصائصها من القول والفعل والمصطلح ، حتى صارت
شخصيات البابة ، متباينة ، بحوارها في تفهمنا لأبعادها الفنية
والاجتماعية .
ثم انتقلت هذه الوسيلة من وسائل الإضحاك واستخدامها أمين صدقي ، ومن
أهم هذه اللهجات " البربرية " و" الشامية " و" المغربية " ؛ فتجري
اللهجة البربرية على لسان " إدريس في " مصر في المنام " يقول :
إدريس : (ذاهباً للتمثال) أما أنا راح أتجنن خالص .
جحا : (يدخل) هو راح في أي داهيه كرياكو الكلب ده .
إدريس : أهلاً عم جحا إزيك سلامات وحشتنا طيبون أزي ما عندك(53) .
الأغاني والألحان :
لقد بلغ حرص (أمين صدقي) على الواقعية اللغوية في لغة المسرح درجة
كبيرة ؛ فهو يقبل ما تبيحه تلك الواقعية ، ويرفض ما لا تجيزه ، ولهذا
فقد حرص على أن يأخذ شواهده مباشرة من أفواه الشعب المصري ؛ فلجأ إلى
الأغاني والأدوار ، كما كتب " الأوبرا كوميك " التي يكون فيها الغناء
والموسيقى عنصراً أساسياً مثل " بنت الشبندر " ، " قنصل الوز " ،
و" التلغراف " ، " مرحب " ، " زبانية جهنم " ، " مصر في المنام " .
لعبت الأغاني دوراً مهماً في هزليات أمين صدقي فهي تساعد أحياناً على
التمهيد لظهور الشخصية والتعريف بها ، فتعرفنا أغنية الشاعر في هزلية "
مرحب " على الصفة الغالبة عليه وهي الشهامة وإجادة الغزل يقول :
اسمي خليل شاعر مستشعر
شهم أديب شاعر متقعر
لقبي الزناتي أخوض كل ميينه
متغزل في ظبية عربية
ما بت يوماً في زماني مريضاً
وأصنع من درر الكلام قريضاً
وأنا لو وحدي قاعد أو واقف
لي كل يوم في هواها مواقف(54)
كما تصف الأغنية في " جزيرة الحظوظ " أهم صفات أهل هذه الجزيرة :
اللحن الافتتاحي
يا سلام على دي جزيرة يا سلام
عايشين في حظ وفي تفريح
رايحيين جايين كداهه فيها
دي حياتنا هنا كلها أحلام
دي جنة صحيح موش عايزه كلام
حافضينها عاليها وواطيها(55)
استخدم أمين صدقي أحياناً هذه الأغاني للتعليق أو لاستخلاص العبرة من
مشاهد الهزلية ما يتضح ذلك من أغنية الدكتورة " سمية " في المشهد
الأخير من " الدكتور بمبة " :
أوعى تصدق أوعى تصدق
جنس الستات مهما استرجل
أبداً مهما تكون الحالة
ما يستغنوش ع الرجالة(56)
ثانياً : تأثر أمين صدقي بالمسرح الغربي :
على الرغم من أن الكوميديا الشعبية في مصر في أشكالها المختلفة قد وفدت
مسرح صدقي بكثير من العناصر الفنية فما يزال هناك مصدر آخر كان له أثره
البارز في هذا المسرح ونعني به الأدب المسرحي الغربي .
وإذا كانت الكوميديا الشعبية في مختلف أشكالها تمثل الرافد البيئة في
مسرح صدقي فإن الأدب المسرحي الغربي يمثل الرافد الأجنبي في هذا المسرح
.
1- تأثر صدقي بموليير :
استوحى أمين صدقي من بعض مسرحيات موليير ؛ فقد تأثر في مسرحية " هوانم
اليوم " بكوميديا " النساء العالمات " لموليير كما تأثر في رسمه لشخصية
الطبيب في كثير من هزلياته : " الكونت زقزوق " ، " مرحب " ، " هوانم
اليوم " بكوميديا " الطبيب رغماً عنه " لموليير .
أ- تأثر صدقي في مسرحية " هوانم اليوم "
بمسرحية " النساء العالمات – لموليير :
يسخر أمين صدقي في " هوانم اليوم " من المرأة المسترجلة ، التي تدعي
العلم ، وتقوم بدور زعيمة النهضة النسائية ، وتعمل بالمحاماة بالرغم من
جهلها وعدم حصولها على شهادة الحقوق ، وتهمل زوجها ، كما ينتقد ابنتها
الطبيبة المدعية العلم ؛ فشخصية الأم
" فيلامنت " في " النساء العالمات " هي نفسها شخصية " دودة هانم " التي
تصمم على تلقيبها بـ " الأستاذة " ، والزوج " عثمان " هو نفسه زوج "
فيلامنت " حيث انعدمت قيمته بالنسبة لأسرته ، يتضح ذلك في حوار عثمان
مع " إحسان " زوج ابنته :
عثمان : لا يا سيدي ، آهو أنا في نظرها جوز كده بس ، جوز لوكس يعني
ناقص شوية تحطني في فترينه(57) .
تقول " هنريت " واصفة لشخصية أبيها :
جعلته يخضع لإرادة زوجته بلا تردد ،
فهي التي تحكم ، وبلهجة حازمة –
تجعل مما عزمت عليه قانوناً نافذاً(58)
و" إحسان " زوج " اسما " الذي يسخر دائماً من " دودة هانم " هو نفسه
كليتاندر " زوج هنريت الذي ينتقد الأم " فيلامنت " .
ب- تأثر صدقي بـ " الطبيب رغماً عنه " لموليير :
كما انتقد موليير شخصية الطبيب في " الطبيب رغماً عنه " حيث يجبر
اسغاناريل على أن يكون طبيباً لإشفاء " لوسند " الخرساء انتقد أمين
صدقي الأطباء في معظم مسرحياته حيث تخفي زقزوق في هزلية " الكونت زقزوق
" في شخصية الطبيب ، يقول :
الدكتور (زقزوق) : دا مرض عصبي اسمه عندنا ميلو كاسيون يعني أن الشخصية
بتاعة المريض تتحلل إلى شخصية وكل شخصية لاقوها تؤدي وظيفتها الجوية
بمعنى أن المريض يبقى عايش عيشتين مختلفتين ويلبس شخصيتين متباينتين
بالتناوب من غير ما يشعر(59).
كما سخر من حرص الطبيب على المال ، واستغلال المريض دون الاهتمام
بآلامه في مسرحية " هوانم اليوم "(60) .
تأثر أمين صدقي بجورج فيدو :
(1862-1921) Georges Feydeau(61) :
ترجم بعض هزليات فيدو ، منها Les 28Jours de Clairette تحت عنوان "
مراتي في الجهادية " ، وقد اختار هذه الهزلية الفرنسية ليترجمها لقربها
إلى الذوق الشعبي واعتمادها على عناصر التخفي والمفاجآت وإثارة الضحك .
لم يلتزم مشاهد بأكملها ، منها المشهد الثاني من الفصل الثاني حيث
يستعرض " فيدو " فيه المجندين وحياتهم ، وهو من المشاهد الطريقة لأنه
يضم أنماطاً مختلفة من الجنود .
أدمج شخصية " جيبار " في شخصية " ميشونيه " ؛ ففي الفصل الثاني يغازل "
جيبار كلاريت " في القطار في كوميديا " فيدو "(62) ..، بينما يغازل "
ميشونيه " " كلاريت " في هزلية صدقي(63) .
حذف أمين صدقي كثيراً من أغاني النص الفرنسي فنجد في الفصل الأول من
النص الأصلي سبع أغاني بينما نجد في الترجمة ثلاث أغنيات فقط .
وهكذا نكون قد أجملنا – في هذه العجالة – التعرض لأهم أنماط الشخصيات
التي ركز عليها أمين صدقي في مسرحياته ، دون أن نغفل علاقات التأثير
والتأثر بين أعمال أمين صدقي ، والمصادر الشعبية والمؤثرات الأجنبية من
ناحية أخرى .
الهوامش
1- أنظر سهيل : عالم التمثيل ، تطورات الكوميدي في مصر ، الدنيا
المصورة ، العدد77 الأحد 5يولية1930 ، ص22 .
2- محمود تيمور :طلائع المسرح العربي ، مكتبة الآداب القاهرة ، بلا
تاريخ ، ص94.
3- أقصد "بالمسرح الضاحك" ما ظهر يومئذ من ألوان الروايات أو بالأحرى
المواقف والمشاهد الحافلة بضروب من الفكاهات والنكات ، طابعها الغلو
والإغراق في الابتذال.
4- إبراهيم رمزي : جوق الكوميدي العربي ، المؤيد عدد7592 السنة السادسة
والعشرون ، 26مايو1915 .
5- أنظر فاطمة اليوسف : ذكريات ، دار اليوسف ، ص44-48 ، وأنظر فاطمة
رشدي: كفاحي في المسرح والسينما ، دار المعارف1971 ، ص30-31 .
6- أنظر فاطمة رشدي : نفسه ، ص32 .
7- أنظر د. ليلى أبو سيف : نجيب الريحاني وتطور الكوميديا في مصر ، دار
المعارف1972 ، ص35 .
8- أنظر د. ليلى أبو سيف : نفسه ، ص36 .
9- أنظر فؤاد رشيد : تاريخ المسرح العربي ، كتب للجميع ، شهر
فبراير1960 ، ص97.
10- أنظر سهيل : عالم التمثيل ، تطورات الكوميدي في مصر ، الدنيا
المصورة ، العدد81 ، الأحد 20يولية1930 .
11- أنظر سهيل : نفسه .
12- شمهورش : روزاليوسف ، الأربعاء 29سبتمبر1926 .
13- أنظر بدون توقيع : مجلة المسرح ، الاثنين 7ديسمبر1925 ، ص7 ، وأنظر
إعلان : روزاليوسف ، 17ديسمبر1925 .
14- روزاليوسف ، الاثنين 15فبراير1926 .
15- مسارح جديدة : روزاليوسف ، الأربعاء 31مارس1926 .
16- لامج : أمام الستار ، المسرح ، الاثنين 30نوفمبر1925 .
17- أنظر المسرح ، الاثنين 14يونية1926 ، العدد30 ، السنة الأولى ص5 .
18- أنظر " في فصل الصيف وبعده " ، المسرح ، الاثنين 28يونية1926
العدد31 السنة الأولى ، ص5 .
19- أنظر إعلان ، المسرح ، الاثنين 13ديسمبر ، العدد38 ، السنة الأولى
، ص26 .
20- أنظر إعلان : المسرح ، الاثنين 20سبتمبر ، العدد39 ، ص8 .
21- سهيل : عالم التمثيل ، تطورات المسرح الكوميدي ، الأحد 10أغسطس1930
، العدد87 .
22- أنظر د. فائق مصطفى محمد : أثر التراث الشعبي في الأدب المسرحي
النثري في مصر ، وزارة الثقافة ، العراق1980 ، ص46 .
23- أنظر أمين صدقي : بنت الشبندر ، مخطوطة بمتحف المسرح والموسيقى،
27/1/1926 .
24- د. فائق مصطفى محمد : نفسه ، ص267 .
25- أنظر أمين صدقي : مصر في المنام أو نهضة مصر ، مخطوطة بمتحف المسرح
والموسيقى ، 11/6/1928 ، ص20 .
26- أنظر أمين صدقي : غرايب الدنيا ، مخطوطة ، 11/6/1928 ، ص20 .
27- أنظر أمين صدقي : الكونت زقزوق ، مخطوطة1926 ، ص35 .
28- أنظر أمين صدقي : جزيرة الحظوظ ، مخطوطة1934 .
29- زيجوتو : فرقة الكسار وما فائدتها وماذا يجرى منها ! ، المسرح ،
الاثنين 20سبتمبر1926 .
30- أنظر د. علي الراعي : فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب
الريحاني ، دار الهلال1970 ، ص65 .
31- أمين صدقي : هوانم اليوم ، مخطوطة في متحف المسرح والموسيقى
أغسطس1939، ص4 .
32- أمين صدقي : الكونت زقزوق ، ص4 .
33- أحمد عطية الله : سيكيلوجية الضحك ، دار النهضة العربية ، ط2 ،
1965 ، ص162 ، ص163 .
34- أمين صدقي : قضية زربيحة ، مخطوطة في متحف المسرح والموسيقى ، بدون
تاريخ ، ص3 .
35- أمين صدقي : الكونت زقزوق ، ص67 .
36- أنظر د. علي الراعي : الكوميديا المرتجلة في المسرح المصري ، دار
الهلال ، ص78 .
37- أمين صدقي : ديل الردنجوت ، مخطوطة ، 1934 ، ص9 .
38- أمين صدقي : قضية زربيحة ، ص22 .
39- أنظر د. إبراهيم حمادة : خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال ، المؤسسة
المصرية العامة، 1961 ، ص196 .
40- أمين صدقي : مصر في المنام ، ص6-7 .
41- أمين صدقي : قضية زربيحة ، ص19 .
42- أمين صدقي : بشاير السعد ، مخطوطة في متحف المسرح والموسيقى ، ص40
.
43- أمين صدقي : غرايب الدنيا ، ص8 .
44- أمين صدقي : بشاير السعد ، ص43 .
45- أنظر نجوى عانوس : مسرح يعقوب صنوع ، الهيئة العامة للكتاب1984 ،
ص144.
46- أمين صدقي : مرحب ، مخطوطة ، بدون تاريخ ، ص22 .
47- أفراد يتعيشون من النكات في ليالي الأفراح ، الدنيا المصورة ،
العدد8 ، الخميس 17يولية1930 .
48- د. أحمد محمد الحوفي : الفكاهة في الأدب ، نهضة مصر ، 1956 ، ص2 ،
ص40
49- أمين صدقي : بشاير السعد ، ص1 .
50- أمين صدقي : فلفل ، مخطوطة في متحف المسرح والموسيقى ، 8مايو1920 ،
ص5
51- أمين صدقي : هوانم اليوم ، ص6 .
52- أمين صدقي : الكونت زقزوق ، ص17 .
53- أمين صدقي : مصر في المنام ، ص6
54- أمين صدقي : مرحب ، ص30-31 .
55- أمين صدقي : جزيرة الحظوظ ، ص1 .
56- أمين صدقي : الدكتور بمبة ، مخطوطة ، بدون تاريخ ، ص17 .
57- أمين صدقي : هوانم اليوم ، ص4 .
58- موليير : النساء العالمات ، ترجمة يوسف محمد رضا ، دار الكتاب
اللبناني1967 ، ص56 .
59- أمين صدقي : الكونت زقزوق ، ص62 .
60- أمين صدقي : هوانم اليوم ، ص9 .
61- جورج فيدو ، 1862-1921 Georges Feydeau كاتب مسرحي فرنسي لم ينجح
في بداية عمله ، كتب فيما بين عامي1873 ، 1897 عشرين مسرحية كوميدية
وفودفيلية ، من أهم أعماله التي أحرزت نجاحاً " ترزي للسيدات " 1902 ،
" الصياد" و" شامبنيون رغم أنفه " ، وكتب في1892 إلى عام1894 " فندق
الحرية " ، " سيدة مكسيم في1896 ، وفي1908 " خلي بالك من أميلي " و"
الديك " و" أم السيدة فيو" 1910 " يا ست ما تمشيش عريانة " 1912 ، كما
أبدع في كتابة الهزليات التي تحتوي على المفاجآت المتعددة ، استخدم
التورية والتلاعب بالألفاظ في حوار هزلياته أنظر Dictionnaire de
Litteratures Publie sons; La direction de philippe Vah Tieghem ;
avec la Collabattion de Pierre lassecrand; P:1360,1361.
62- Georges Feydeau : Les 28Jours de Clairette; Librairie Theatrale;
p.59.
63- أنظر أمين صدقي : مراتي في الجهادية ، مخطوطة بمتحف المسرح
والموسيقى ص62 .